فخر الدين الرازي
112
تفسير الرازي
أو يا أيهذا لا الأعرف منه وهو العلم ، لأن بين المبهم الواقع على كل جنس والعلم المميز عن كل شخص تباعداً وثانيهما : توسط ها التنبيه بينه وبين الوصف لأن الأصل في أي الإضافة لما أنه في غاية الإبهام فيحتاج إلى التمييز ، وأصل التمييز على ما بينا الإضافة ، فوسط بينهما لتعويضه عن الإضافة ، والتزم أيضاً حذف لام التعريف عند زوال أي فلا تقول : يا الرجل لأن في ذلك تطويلاً من غير فائدة ، فإنك لا تفيد باللام التنبيه الذي ذكرنا ، فقولك : يا رجل مفيد فلا حاجة إلى اللام فهو يوجب إسقاط اللام عند الإضافة المعنوية ، فإنها لما أفادت التعريف كان إثبات اللام تطويلاً من غير فائدة لكونه جمعاً بين المعرفين ، وقوله تعالى : * ( الثقلان ) * المشهور أن المراد الجن والإنس وفيه وجوه أحدها : أنهما سميا بذلك لكونهما مثقلين بالذنوب ثانيهما : سميا بذلك لكونهما ثقيلين على وجه الأرض فإن التراب وإن لطف في الخلق ليتم خلق آدم لكنه لم يخرج عن كونه ثقيلاً ، وأما النار فلما ولد فيها خلق الجن كثفت يسيراً ، فكما أن التراب لطف يسيراً فكذلك النار صارت ثقيلة ، فهما ثقلان فسميا بذلك ثالثها : الثقيل أحدهما : لا غير وسمي الآخر به للمجاورة والاصطحاب كما يقال : العمران والقمران وأحدهما عمر وقمر ، أو يحتمل أن يكون المراد العموم بالنوعين الحاصرين ، تقول : يا أيها الثقل الذي هو كذا ، والثقل الذي ليس كذا ، والثقل الأمر العظيم . قال عليه السلام : " إني تارك فيكم الثقلين " . ثم قال تعالى : * ( يامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنس ِإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ فَانفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في وجه الترتيب وحسنه ، وذلك لأنه تعالى لما قال : * ( سنفرغ لكم أيها الثقلان ) * ( الرحمن : 31 ) وبينا أنه لم يكن له شغل فكأن قائلاً قال : فلم كان التأخير إذا لم يكن شغل هناك مانع ؟ فقال : المستعجل يستعجل . إما لخوف فوات الأمر بالتأخير وإما لحاجة في الحال ، وإما لمجرد الاختيار والإرادة على وجه التأخير ، وبين عدم الحاجة من قبل بقوله : * ( كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ) * ( الرحمن : 26 ، 27 ) لأن ما يبقى بعد فناء الكل لا يحتاج إلى شيء ، فبين عدم الخوف من الفوات ، وقال : لا يفوتون ولا يقدرون على الخروج من السماوات والأرض ، ولو أمكن خروجهم عنهما لما خرجوا عن ملك الله تعالى فهو آخذهم أين كانوا وكيف كانوا . المسألة الثانية : المعشر الجماعة العظيمة ، وتحقيقه هو أن المعشر العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلا بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد ويقول : أحد عشر واثنا عشر وعشرون وثلاثون ،